تبقى مصيبتنا الأكبر أننا اعتدنا على  رؤية المشكلة تكبر أمام أعيننا ونتابع تطورها يوما بعد يوم و رغم ذلك نتقاعس عن حلها حتى نصل إلى نتيجة كارثية يصبح فيها الإصلاح غير ممكن وهنا نبدأ في علاج التبعات التي تؤثر واقعيا على حياتنا وإذا نجحنا في حل هذه التبعات فإننا لا نعود لحل المشكلة الرئيسية وإنما ننتظر تبعات جديدة

ربما من الصعب أن يتوحد العالم على السلام في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد صراعات مستمرة و لكن لحسن الحظ أنه تم التوافق على سبل لحل أزمة تغير المناخ التى تهدد عالمنا ومستقبلنا على كوكب الأرض.  و بما أن معظم الدول العربية وافقت على اتفاقية باريس التي تلزم الدول بأن تتقيد بعدة   بنود  وربما أكثر تلك البنود  تأثيرا في المنطقة يتعلق بخفض إنتاجية  الوقود  الأحفوري ( حتى الوصول إلى التخلي عن استخدامه). تنص الاتفاقية ايضاً على خفض انبعاثات الغازات الدفيئة و العمل على الحد من ارتفاع درجات الحرارة إلى 1,5 درجة مئوية. حتى قبل المضي بالاتفاقية، باشرت منظمات حكومية دولية بتمويل مشاريع بيئية يتعلق معظمها بإيجاد مصادر طاقة متجددة   وبزيادة وتطوير الثروة الزراعية خاصة وأن معظم مجتمعاتنا بدوية تعتمد على الزراعة بشكل أساسي وتغير المناخ أصبح حتى يهدد هذه المهنة التي توفر لنا مصدر غذائنا اليومي

و لكن قد نسأل أنفسنا مع العديد من الفعاليات حول العالم والتي تناقش قضية تغير المناخ، لما هذا الاهتمام بتغير المناخ والأنشطة التي تدور حوله؟ فهل هو واجب علينا  وذلك لأن الدول المتطورة احتذت به فقط ؟

Worst Middle East Drought in 900 Years Spurred by Climate Change

ينبغي أن نعي أن المناخ لا يؤثر فقط على الدول المتطورة، وعلى الأفراد  في المنطقة العربية أن يتداركوا خطورة تأثيراته على مستقبلنا وأهمية الرقابة على تمويل مشاريع  تغير المناخ لما لها من تداعيات مباشرة على حياتنا اليومية

و الجدير بالذكر أن اتفاقية باريس أدرجت ضمن بنودها الزام الدول الأطراف المتقدمة بتقديم الدعم المالي للبلدان النامية من أجل تنفيذ الاتفاق. كما و أن اهتمام المنظمات الدولية بتمويل مشاريع منطقة شرق الأوسط يكمن وراء غنى المنطقة فهي تمتلك 57٪‏ من احتياطي النفط و حوالي 40٪‏ من ثروات العالم من الغاز الطبيعي. و كمثال على ذلك، قام البنك الدولي العام الماضي بتمويل مشاريع عدة في المنطقة  ترتكز على تأمين الأمن المائي والغذائي. و قد استفادت من هذه المشاريع عدة دول عربية على رأسها مصر و المغرب. ولكن المشكلة الأكبر التي تحد من الاستفادة التامة من الأموال الموجهة لهكذا مشاريع، تكمن في الفساد الذي يمارسه الطبقة الحاكمة في معظم بلادنا العربية. إن انتشار الفساد السياسي في منطقتنا جعل من السهل على أصحاب السلطة تقاسم اموال التمويل الضخمة التي تصل من الدول الأجنبية إلى بلدانهم. و المسؤولين يتمادون بأفعالهم حيث لا يوجد من يحاسبهم. إن غياب المساءلة الاجتماعية هو أحد أهم أسباب هدر المال العام المخصص لتمويل المشاريع المناخي وعند ذكر المال العام فإننا نعني ايضا الموارد الأولوية للبلدان ذات الثروات الطبيعية

فقبل أن نسأل عن مصادر التمويل الخارجي علينا تسليط الضوء على كل دولار يتقاسمه أصحاب السلطة.هنا دور المجتمع المدني الذي عليه التكاتف والعمل لإنجاح المشاريع  فلنأخذ الوضع في لبنان كمثال ، عندما غرقت بيروت بالنفايات الغير المعالجة انتفض المجتمع المدني و أقام مظاهرات عدة كما واعتلى المنابر الإعلامية مواطنون ومختصون بالأمور البيئية و بادروا بطرح حلول علمية وواقعية. و لكن في النهاية لم تحل المشكلة من جذورها لضعف آلية المساءلة الاجتماعية فقامت القوى السياسية بنقل النفايات دون معالجتها. الخلاصة تكمن في أن عدم تكاتف وتوحد المجتمع المدني يحول دون حل القضايا الاجتماعية الملحة و خاصة البيئية منها و لا يعطي النتيجة المرجوة وإنما يسمح بتفاقم الأزمة

في انتظار ان يتطور الوعي الاجتماعي، قد يكون الحل اليوم في التمويل الداخلي. هذا النوع من التمويل نابع من الدول المعنية بالموضوع البيئي و يكون عادة من القطاع العام او الخاص. لكنه من الصعب الاتكال على ما يقدمه القطاع العام  و ذلك لعدة أسباب منها: وقوع ميزانيات حكومات منطقة الشرق الأوسط في عجز مالي، افتقار معظم الدول العربية لسياسات بيئية مدروسة و موحدة، بالإضافة إلى ضعف الإرادة السياسية الفعلية للإصلاح. من هنا يكون الاتكال على القطاع الخاص. و هذا القطاع يراه الاقتصاديون مصدر لتفعيل عجلة الاستثمارات، خاصة وأن الشباب مندفعون اليوم الى خوض غمار ريادة الأعمال. فواجبنا كأفراد من القطاع الخاص، هو العمل على مشاريع استثمارية معنية بظاهرة تغير المناخ كتحويل المخلفات المنزلية و تكرير المياه بحيث تسمح بإيجاد فرص تشغيل للشباب و تكون مربحة بنفس الوقت. عدا أنه يمكن استخدام مهاراتنا  التكنولوجية لخدمة هذه المشاريع

الواقع للأسف  يفيد  بأن الشباب غير ملمين بمدى خطورة تغير المناخ وكيفية تأثيره المباشر على حياتهم اليومية فالبعض ما زال يتساْل لما موضوع تغير المناخ ذو أهمية قصوى ؟

فلنأخذ مثال شاب اسمه رامي وهو لبناني الجنسية. رامي لا يستطيع العيش في لبنان لان منظر النفايات من على شرفة منزله جعله يفقد الأمل في أن يتمتع  بحياة صحية فقرر ان يهاجر الى  الامارات العربية المتحدة.  لم يستطع رامي تحمل ازدياد الحرارة في  دبي خلال فصل الصيف و خاصة أن طبيعة عمله تتطلب التجول في الخارج طوال النهار. قرر رامي التوجه إلى السعودية وهناك واجه الموت على اثر الفيضانات التي حدثت وتحدث بصورة متكررة كل عام، حيث غطت المياه منزله و اتلفت أسلاك الكهرباء .على اثر الحادثة انتاب زوجته حالة من الذعر فاضطروا للتوجه إلى مصر للعيش في قرية صغيرة ريفية بحيث يستفيدون من الأرض و لكن الجفاف الذي طال مناطق عدة في أرياف مصر أدى إلى تراجع كمية المحصول الزراعي السنوي مما جعلهم يخسرون كل مدخراتهم و الأهم من ذلك يفقدهم الأمل بالحياة.

Floods in Rbat, Souss-Massa-Draa, Morocco in 2010 (Credit: Mhobl; https://www.flickr.com/photos/87106931@N00/)

قصة رامي قد تكون كاريكاتورية بعض الشيء و لكن مراقبة تمويل المشاريع البيئية اصبح امر مصيري لأن المشاكل البيئية في وطننا العربي مصدر لأوجاع اكبر من ما يمكن لنا ان نتخيل.  فبعض الدراسات اليوم بدأت تشير الى ان ما حصل في سوريا قد يكون سببه سنوات الجفاف التي مرت بها البلاد قبيل الثورة و التي نشرت اليأس في قلوب المزارعين السوريين فجعلتهم يحاسبون المسؤولين

لكي لا تعالج الامور بالحرب علينا ببدأ المعالجة بالطرق الديمقراطية و التي تسمح للمواطنين بالمحاسبة الفاعلة لمن هم في سلطة عن تقاعسهم عن إيجاد حلول بيئية و عن السماح بهدر المال الموجه لإعطاء حلول للأزمات البيئية. وعلينا كمجتمع مدني و كرواد أعمال أن نجعل من البرامج والسياسات البيئية محور نقاش في الخطابات السياسية. فقدرة المجتمع المدني اذا عمل بشكل صحيح ومخلص تسمح بالوصول لنتيجة أفضل سواء في محاربة تغير المناخ او لادراج المشاريع البيئية ضمن لائحة الأولويات

Sarah Haidar Ramadan

About Sarah Haidar Ramadan

Sara Haidar Ramadan, a Lebanese PhD student at the university of Paris Ouest Nanterre. her thesis is about Arab constitutions and fighting corruption in the MENA region. she also holds a master in criminal sciences. Since getting into law school, she has been engaged in many local activities that target human rights. she believes that we should be always conscient about the problems that surround us and try as much as we can to be part of the solution. Based on this perception of her life, she wrote her article on climate change. For the same reason as well, she is currently following some training in Paris about geopolitics in the Middle east.